الحلبي

250

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وذكر أن المسلمين قالوا لأبي العاص : يا أبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أي لأنه يلتقي مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في جده عبد مناف ، فهل لك أن تسلم فتغنم ما معك من أموال أهل مكة ، فقال : بئسما أمرتموني أفتتح ديني بغدره : أي بالغدر وعدم الوفاء ، ثم ذهب أبو العاص إلى أهل مكة فأدى كل ذي حقّ حقه ، ثم قام فقال : يا أهل مكة هل بقي لأحد منكم مال لم يأخذه ، هل وفيت ذمتي ؟ فقالوا اللهم نعم ، فجزاك اللّه خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما ، فقال : إني أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله ، واللّه ما منعني عن الإسلام عنده إلا خشية أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم . ثم خرج حتى قدم المدينة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فرد له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زينب رضي اللّه تعالى عنها على النكاح الأول ولم يحدث نكاحا ، وذلك بعد ست سنين وقيل بعد سنة واحدة انتهى . أقول : وفي رواية بعد سنتين . والمتبادر أن السنة أو السنتين من إسلامها دونه ، وهو مخالف لما عليه أهل العلم من أنه لا بد أن يجتمع الزوجان في الإسلام والعدة ، ومن ثم قالت طائفة منهم الترمذي : هذا حديث ليس بإسناده بأس ، ولكن لا يعرف وجهه . وفي كلام بعض الحفاظ : يمكن أن يقال قوله بعد ست سنين ولم يقل من إسلامها دونه صيره مجهول تاريخ الابتداء فلا يصح الاستدلال به . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ردّ بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد . قال بعضهم : وهذا في إسناده مقال ، وقال غيره : هذا حديث ضعيف ، وقال آخر : لا يثبت » والحديث الصحيح إنما هو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أقرهما على النكاح الأول . وقال ابن عبد البر : حديث أنه صلى اللّه عليه وسلم أقرهما على النكاح الأول متروك لا يعمل به عند الجميع . وحديث ردها بنكاح جديد عندنا صحيح يعضده الأصول ، وإن صح الأول أريد به على الصداق الأول وهو حمل حسن ، هذا كلامه . قال بعضهم : تصحيح ابن عبد البر لحديث إنه ردها بنكاح جديد مخالف لكلام أئمة الحديث كالبخاري وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان والدارقطني والبيهقي وغيرهم ، هذا كلامه . وفي كون زينب رضي اللّه تعالى عنها كانت مشركة وأسلمت قبل زوجها المشعر به قول بعضهم ولم يقل من إسلامها نظر ، لأنها اتبعت ما بعث به أبوها صلى اللّه عليه وسلم من غير تقدم شرك منها .